تبدأ اجتماعات الميزانية عادة بأرقام المبيعات وتكاليف التشغيل، ثم يأتي الحديث عن العاملين باعتبارهم بندًا يمكن التحكم فيه. أرى أن هذه البداية تحتاج إلى مراجعة؛ فالإنسان ليس مجرد تكلفة تضاف إلى الفاتورة الشهرية، بل هو من يحدد كيف تُستخدم الآلات، وكيف تُخدم الأسواق، وما إذا كانت الخطط المكتوبة ستتحول إلى نتائج حقيقية في النهاية.
قد تختصر شركة برنامجًا للتدريب فتبدو أرقامها أفضل على الورق، لكنها تدفع لاحقًا ثمن الأخطاء وإعادة العمل وخسارة عملاء كانوا ينتظرون خدمة أكثر كفاءة. ليست الدعوة هنا إلى إنفاق مفتوح، وإنما إلى سؤال أبسط: ما العائد الذي تحققه مهارة جديدة؟ وما الخسارة التي نتجنبها عندما يستقر فريق يعرف عمله ويؤديه بثقة؟
الاستثمار في الموظف لا يبدأ بدورة تدريبية باهظة، وإنما بوصف وظيفي واضح، ومدير يصغي، وأداة مناسبة للعمل، وفرصة عادلة للتقدم. وحين تتحقق هذه الشروط، يمكن قياس التحسن في سرعة الإنجاز وجودة الخدمة ومعدل دوران العمالة. أما الاكتفاء بعدد الدورات والشهادات فلا يقول شيئًا كافيًا عن التحسن الحقيقي داخل المؤسسة.
أحيانًا تتوسع الشركات في شراء التقنيات قبل أن تسأل إن كانت فرقها قادرة على استخدامها. وبعد أشهر يصبح البرنامج الجديد مصدرًا للتعطيل بدل التطوير. التكنولوجيا مهمة، لكنها لا تعفي الإدارة من الاستثمار في التدريب والتواصل وتوزيع المسؤوليات. والقرار الرشيد هو أن نختبر جاهزية الناس بالتوازي مع اختيار الأداة، لا بعد توقيع العقود.
من حق أي إدارة أن تراقب النفقات وأن تدافع عن الربحية. لكن خفض المصروفات الذي يضعف قدرة المؤسسة على العمل قد يتحول إلى تكلفة مؤجلة. الأفضل هو التفريق بين إنفاق لا يضيف قيمة وإنفاق يصنع قدرة مستقبلية. وهذا التمييز يحتاج إلى بيانات ومتابعة، لا إلى قرارات سريعة تصدر تحت ضغط نهاية كل ربع مالي.
في رأيي، المؤسسة التي تريد نموًا مستدامًا عليها أن تنظر إلى رأس المال البشري بوصفه جزءًا من قرار الاستثمار نفسه. فالأرباح لا تنتج من الميزانية وحدها، بل من البشر الذين يحولون الموارد إلى قيمة. وحين تتغير هذه النظرة، يصبح الاهتمام بالموظف قرارًا اقتصاديًا واعيًا، لا مجرد شعار جميل يعلق على جدار الإدارة.